إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 2 يونيو 2013

ولدي الذي لم يعد ج2




نعم.. فأنا أعني ما أقول، ليس بخير، فولدي انتهى منذ أن تجرد من كينونته وهويته وألغاني من حياته وهجر وطنه وأهله واستأصل جذوره وانتمائه لقد تبدل تماماً فصار قاسياً، جحوداً إنسان بلا قلب وقد عرفه أبوه أكثر مني ولهذا أبى أن يستدر عطفه طالما كان معرضاً عنا نافراً منا وهاهم اشتروا عبقريته وكرامته بثمن بخس.



خولة القزويني







ولدي الذي لم يعد ج1


  كانت لا تبارح المسجد، معتكفة فيه ليل نهار، تكابد ألماً دفيناً وتسأل المصليات أن لا ينسينها في الدعاء، تجلس في زاوية نائية متكدرة ثم سرعان ما تأخذها نوبة بكاء تثير الشفقة، ما بها؟ ما قصتها؟


   - أطرقت (أم فيصل) وهي تسترجع مشاهد الماضي في الذاكرة:

    برز نبوغه منذ الطفولة إذ كان يفكر بعقليه فذة وبرؤيا مستقبلية أذهلت كل المحيطين حوله، أذكر أنه انضم إلى النادي العلمي ذات صيف فأثار إعجاب المدرسين بابتكاراته المدهشة وقال لي أحدهم محذراً "احفظيه عن عيون الحساد فهو جوهرة ثمينة" إنه الوحيد الذي رزقت به في هذه الدنيا فقد هجرني والده إلى امرأة أخرى بدافع الحاجة إلى الذرية ولم أعترض لأني بعد غياب فيصل مات إحساسي بكل إنسان فلم أشعر بزوجي وهو يتلاشى من حياتي حتى اختفى.. وها هي السنين تمر وجراحي لم تبرء..

   مذ أن حلقت الطائرة في سماء نائية وأنا أمور في غلوء اللوعة والبعد، التحق (فيصل) في جامعة (هارفارد) وفي البداية كان يهاتفني ويؤملني بعودته في الإجازات بيد أن اتصالاته أخذت تتباعد ويبرر ذلك بانشغاله الكبير في الدراسة حتى انقطع تماماً بعد السنة الخامسة، حاولت الاتصال به فيأتيني الرد من امرأة أجنبية لا أفهم ما تقول وحينما استعنت بأحد الجيران ليترجم لي ردها عرفت أنه ترك الشقة فاستأجرتها بعده ولبثت أنتظره على جمر الشوق وأتأمل عودته في إجازات رأس السنة كما يفعل كل الطلبة الذين يدرسون في الخارج، وبعد هذه السنوات استعلمت أخباره عن طريق السفارة وقيل لي أنه بخير ويعيش في أفضل حال لكنهم يهملون أمري ويحاولون اختزال قضيتي يهمشون معاناتي.

- دهشت السائلة بينما استطردت أم فيصل بتفاصيل القضية:

   وللأسف فإن أباه ترك الأمر معلقاً وهرب إلى نزوته مبرراً أنه ولد عاق، جاحد لا يستحق السؤال وبقيت أنوء بهذا العبء لوحدي.


خولة القزويني